فخر الدين الرازي
103
الأربعين في أصول الدين
والمؤثر بالكلية . وهو باطل قطعا . بل القول الصحيح : أن المؤثر كما يؤثر في جعل الماهية موجودة ، فكذلك يؤثر في جعل الماهية ماهية . المقدمة الرابعة : ان الطريق إلى اثبات الصانع تعالى ليس ، الا احتياج أجسام هذه الموجودات المحسوسة ، إلى موجود آخر غير محسوس . ومنشأ تلك الحاجة على قول بعضهم هو الامكان ، وعلى قول آخرين هو الحدوث ، وعلى قول ثالث هو مجموع الامكان والحدوث . ثم هذه الأمور الثلاثة ، اما أن تعتبر في الذوات ، أو في الصفات أو في مجموعها أو بالعكس . فللمجموع طرق ستة : الطريق الأول : الاستدلال على وجود واجب الوجود بامكان الذوات : فنقول : لا شك أن الحقائق والماهيات موجودة . وكل موجود فاما أن تكون حقيقته قابلة للعدم أو لا تكون كذلك . فإن لم تقبل حقيقته العدم لما هي هي ، كان ذلك الموجود هو واجب الوجود لذاته . وهو المطلوب . فان كانت حقيقته قابلة للعدم فنقول : كل موجود تكون حقيقته قابلة للعدم ، فإنه تكون نسبة حقيقته إلى الوجود والعدم على السوية . وكل ما كان كذلك لم يكن وجوده راجحا على عدمه الا لمرجح . وذلك المرجح لا بد وأن يكون موجودا . ثم ذلك المرجح ان كان ممكنا عاد الكلام فيه ، ويلزم اما الدور واما التسلسل . وهما محالان . فلا بد من الانتهاء إلى واجب الوجود لذاته . وهذا البرهان مبنى على هذه المقدمات : المقدمة الأولى : قولنا : كل موجود يقبل العدم . فان الوجود والعدم بالنسبة إلى ماهيته على السوية . ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود ، الا أن الوجود أولى بتلك الماهية من العدم ، فلكونه قابلا للعدم يكون